د. السيد رشاد يكتب : لغة يسرى نصر الله

FB_IMG_1549201986714.jpg

الفن لديه وطن مقدس يشعله، ويشتعل فيه، لكى يضئ لنا طريق التأمل، ويمنحنا حلما لا يملك أحد أن يمنعه مهما احتشد واقعنا بالارتباك والاختلال، خصوصا فى المرحلة الفارقة التى تخوضها أمتنا، فى مواجهة معركة شرسة يفرضها عليها أعداؤها فى محاولة لإدخالها نفق الرجعية والتخلف والتطرف المظلم، هذا النفق الذى يشل تقدمها، ويحيطها بدائرة جهنمية من الإحباط والرفض والفوضى والتفكك، وسط هذا كله يصبح الحديث عن المخرج السينمائى المبدع يسرى نصر الله حديثا عن قنديل من ضوء الأمل، ترسله عين الشمس فى سماء الفن السينمائى الملبدة بضباب الإسفاف والعشوائية، وعدم المهنية، وانهيار المنظومة القيمية على اختلاف محدداتها ومكوناتها ودرجاتها، فيسرى نصر الله ليس مجرد مخرج سينمائى مرموق، لكنه صاحب مشروع فنى فلسفى وطنى تأملى.

وصاحب رسالة سينمائية تهدف إلى أن تعود السينما إلى مكانتها كأحد أهم أسلحة مصر الناعمة، والأهم أن تصبح من جديد فاعلة فى قضايا مصر والعالم العربى، ورقما حاضرا بإيجابية فى الحياة اليومية.
إن لغة يسرى نصر الله السينمائية الراقية المتوهجة لا تكتفى أبدا مخاطبة الحواس، بل تشكل إطارا أعمق وأشمل للإبداع الفنى، مخترقة ستائر العادى والتقليدى والجامد، والعدمى، والهدام، والمسف، متجاوزة حواجز الزمان والمكان، متواصلة بندية مع تجارب العالم السينمائية، تفعيلا وتفاعلا، وتأثيرا، تجربة تمضى بنا عبر زورق الإبداع الجاد لتجتاز ونحن معها بوابة اللحظة الردئية الراهنة، محرضة لنا لكى نظل متمسكين بالعبور إلى مرفأ الفن الراقى المهموم بقضايا أمته.

وربما لهذا السبب، ولغيره كان يسرى نصر الله لا يجد ممولين عربا لأفلامه التى تواجه بتجاهل غريب، مقابل احتفاء عالمى كبير بهذه الأفلام فى المحافل السينمائية العالمية، لأن نصرالله ببساطة لا يربت على كتف أحد، ولا يترك أحدا من المحيط إلى الخليج ينام مطمئنا، فضلا عن التزامه الصارم بقيم ومعايير الخطاب الفنى، الذى لم يضبط مرة واحدة باختراقه، أو التضحية له لمصلحة الخطاب السياسى، أو نفاق السلطة أو حتى الرأى العام، فقط الالتزام بالمنطق السينمائى الذى يحترم الصياغة التعبيرية، والشكل السينمائى ولا يضحى أبدا عن القيمة ممثلة فى جودة المضمون، وأهمية الموضوع بعيدا عن أية ادعاءات أو مزايدات على السلطة أو الشارع، أو حتى محاولات تجريبية فارغة، يفتح باب الشمس ليقدم أبطاله بمسحة من الرقة والإحساس الشفيف، عبر حكايات سينمائية مزدانة بخفة ظل مصرية قادرة على فضح ألاعيب السياسة بتداعياتها المدمرة، دون طنطنة أو إعلاء لأيديولوجيا خارج تفسير يسرى نصر الله الذاتى للحدث والقضية فى ضوء خطاب مفتوح على الالتزام الإنسانى فى التعامل، والتأكيد على الحميمية والتواصل فى طرح العلاقات بين الناس، حيث ينأى بنفسه تماما فى معظم أعماله عن المتاجرة بالشعارات، والسينما الدعائية التى يسميها “سينما العجز” وقد تجلى ذلك مبكرا منذ فيلمه الأول “سرقات صيفية” عام 1988، الذى أعلن يسرى من خلاله تمرده على النظام الاجتماعى والسياسى والفكرى الفاسد غير مكترث بأى عقاب قد يناله نتيجة تجاوزه ثم اتضح ذلك النهج أكثر فى فيلمه “مرسيدس” الذى انشغل بالمعطيات الاجتماعية والسياسية التى أعقبت التحول الاشتراكى فى مصر فى عهد عبدالناصر، وتصاعدت حدة الأمر فى فيلمه “المدينة” الذى عبر فيه يسرى نصر الله عن سخطه الشديد على المدينة التى أصبحت بؤرة للفوضى، تضم بين جنباتها قتل طموح الشباب، وفى هذا الفيلم بالذات، خرج نصر الله تماما من عباءة أستاذه يوسف شاهين الذى عمل مساعدا له فى الكتابة والإخراج فى فيلم “وداعا بونابرت” عام 1984، ثم مخرجا منفذا لفيلمى “إسكندرية كمان وكمان”، 1990 و”القاهرة منورة بأهلها” 1991، وفى هذا الفيلم بالذات أدخل تقنية الديجيتال، وكانت وقتها مغامرة خطيرة لا يجرؤ عليها سوى يسرى نصر الله.

أما درة أفلامه “باب الشمس” فهو التجسيد الحى المبهر لوطنية هذا الفنان، حيث حكى بلغة سينمائية متفردة تاريخ القضية الفلسطينية “جرح العرب النازف والمقيم” وذلك من خلال قصة حب بين البطل الفلسطينى يونس الذى يذهب للمقاومة بينما تظل زوجته نهلة متمسكة بالبقاء فى قريتها بالجليل، وطوال فترة الخمسينيات والستينيات كان يتسلل من لبنان إلى الجليل ليقابل زوجته فى مغارة باب الشمس ويستمر السرد ليحكى بصورة ملحمية تفاصيل القضية الفلسطينية باعتبارها محور الحياة العربية، فكان بحق فيلما يستحق أن تفخر به السينما المصرية والعربية وسوف تمر سنوات طويلة دون أن نرى نظيرا له، إلى حد أن مجموعة من شباب فلسطين استلهمته وقررت إنشاء قرية اسموها باب الشمس، فى أراضى الطور شرقى القدس، لتكون رمزا لمقاومة الاستيطان الإسرائيلى هناك، وقد أبهر العالم حين عرض فى مهرجان “كان” بعد 15 عاما من التوقف إثر رحيل يوسف شاهين، وعن هذا الفيلم فاز يسرى نصر الله بجائزة “مونس” عاصمة الثقافة الأوروبية وحضر مراسم التسليم ملك بلجيكا، وهو أحد الأفلام المصرية القليلة جدا التى حصلت على جوائز عالمية فى مهرجانات دولية.

إن يسرى نصر الله، الذى ولد فى القاهرة عام 1952، ودرس الاقتصاد فى جامعة القاهرة عام 1952، ودرس الاقتصاد فى جامعة القاهرة ثم السينما فى المعهد العالى للسينما الذى تخرج فيه عام 1973، تميز كأحد أهم صانعى السينما العربية، حيث استطاع أن يكتب اسمه بحروف بارزة، عبر مشوار سينمائى ممتد، سجل خلاله بكاميرته المبدعة، أحداثا كبرى، ومشاهد ومشاعر وخواطر وعلاقات وانتصارات وانكسارات وإخفاقات ونجاحات مصرية وعربية عديدة، فأصغى له العالم العربى كله، ولا يزال، واعتمده مخرجا عبقريا لو وجد فى أى زمان وأى مكان لاحتل مكانته بجدارة فى الصدارة بين الأفذاذ، كما يليق بفنان قدم رسالة التجريد السينمائى بذكاء وحسم.

وكان مفتاح تفرده، وتفوقه هو إصراره على البحث عن السر وراء الأشياء، فهو لا يخرج الأشياء كما يراها، لكن كما يتأملها ويفكر فيها، وبهذا كتب يسر نصر الله رسمة ولا يزال بحروف بارزة فى صفحات السينما العربية.

Share on facebook
Facebook
Share on google
Google+
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

الأكثر قراءة

فيديوهات

التعليم